السيد كمال الحيدري
50
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
نحو التجافي حيث يفقد الشيء مرتبته العالية ، بحيث إذا صار سفلًا فهو ليس عالياً وإذا صار فوقاً فهو ليس تحتاً وهكذا . يمكن تقريب هذا الضرب من الإنزال بمثال من النشاط العلمي للإنسان ، فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت من مرتبة العقل وصارت في مرتبة الورق ، وبعبارة أُخرى تنزّلت من الوجود الذهني إلى الوجود الكتبي . ومن الواضح أنّ الوجود الأوّل مرتبة من الوجود والثاني مرتبة أُخرى منه . لكنّ الفكرة عندما نزلت من الذهن على الورق لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها في الذهن ، غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أُخرى من مراتب الوجود دون أن تفقد مرتبتها السابقة . طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجودية الجديدة أحكامها الخاصّة بها ، فإنّ الفكرة وهي في الذهن موجودٌ مجرّد غير قابل للنقل والسرقة مثلًا ، لكنّها وهي على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فهي قابلة للانتقال والسرقة وما إلى ذلك . فالفكرة هي هي ، وهي غيرها . هي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق شيءٌ واحد ، بيدَ أنّهما يختلفان في المرتبة الوجودية ، فللفكرة في الذهن درجةٌ وجوديّة مجرّدة عن المادّة ، أمّا على الورق فهي في درجة وجودية أُخرى . كذلك الأمر في قوس الصعود من هذا العالم إلى العوالم الأُخرى ، يقول الله سبحانه : يا أيُّهَا الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ « 1 » ،
--> ( 1 ) الانشقاق : 6 .